عام من الخوف وخيبة الأمل في العراق

This is the Arabic version of my article, “A year of fear and frustration in Iraq”, published in Australian Outlook, the online journal of the Australian Institute for International Affairs, on 20 December 2016. It was published under a Creative Commons Licence and may be republished with attribution.

قد تكون العملية العسكرية لتحرير الموصل هي الحدث الأهم لعام 2016، إلا أن العام كان مفعماً بالأحداث الأخرى – من سياسة الشارع المثيرة إلى التفجيرات الإرهابية الفظيعة – والتي ساهمت في تشكيل البلد، وكشفت عن قضايا ولاعبين سيكون لهم دور مهم في مستقبله.

إن التغطية الإعلامية للعمليات العسكرية التي تقودها الحكومة العراقية لاستعادة مدينة الموصل شمال العراق قد تعني بأن عام 2016 سيكون عنوانه العام الذي تراجعت فيه طموحات تنظيم “الدولة الإسلامية” بالتوسع. هذا الحدث مهم جداً للعراق ونتائج عمليات الموصل العسكرية سيكون لها تأثير كبير في المستقبل، كما ذكرت في مقالتي السابقة حول المناورات السياسية.

فالوضع في العراق معقد، إلا أنه من المهم أيضاً التطرق إلى عدد من الأحداث الجوهرية التي جرت في عام 2016 والتي تساعد في التوصل إلى فهم أعمق للحكومة والبلد وآفاقه المستقبلية.

سياسة الشارع

لقد كانت سياسة الشارع معلماً من معالم المجتمع المدني العراقي منذ عام 2003. وازداد سعيرها في منتصف عام 2015، حيث كانت الخدمات الحكومية السيئة قد زادت من معاناة العراقيين خلال لهيب الصيف الخانق دون موارد كافية من كهرباء وماء. وحينها بدأ العراقيون مظاهرات كبيرة ألقوا فيها باللوم على نظام المحاصصة السياسية العرقية والطائفية، إضافة إلى الفساد المزمن الذي رسخه ذلك النظام. وفي شهري آذار ونيسان من عام 2016 تصاعدت وتيرة المظاهرات بشكل كبير، ما وضع الحكومة العراقية تحت ضغوطات كبيرة.

وازدادت أعداد المتظاهرين من المئات أو الآلاف إلى مئات الآلاف عندما تدخلت الحركة الاجتماعية التي يقودها مقتدى الصدر، رجل دين ذو تأثير كبير ومثير للجدل، وقدمت كفاءاتها التنظيمية للحركة التظاهرية الداعية للإصلاح. وفي حملة متصاعدة على مدى شهور عدة، صاغ الداعون للإصلاح مجموعة من المطالب، كما تحولت المظاهرات الأسبوعية إلى اعتصامات خارج مداخل المنطقة الخضراء.

وترمز المنطقة الحكومية والدبلوماسية الآمنة في بغداد والمسماة بـ “المنطقة الخضراء” للاحتلال الأمريكي وهي الآن مرتبطة بانحلال النخبة السياسية في البلاد. وبعد تحرك رمزي من مقتدى الصدر الذي دخل المنطقة الخضراء واعتصم فيها وحيداً، تجاوز آلاف المتظاهرين الجدران الاسمنتية الضخمة واحتلوا بشكل سلمي برلمان بلادهم.

ويعتبر الكثير من العراقيين، وخاصة أبناء المجتمع المدني الذين يجتمعون في تظاهرات أسبوعية كل يوم جمعة، بأن الدفع نحو إصلاح سياسي لا يقل أهمية عن قتال تنظيم “الدولة الإسلامية”. وتركز انتقاداتهم العميقة للنظام السياسي العراقي على نظام المحاصصة  الذي يرسخ شبكات المحسوبية والسلوك الفاسد ما يقلل من قدرة الحكومة على تقديم الخدمات العامة ومنها الكهرباء، والماء، والأمن، ويساهم في خلق مناخ ملائم لانتشار الإرهاب. ويؤكد الناشطون بأن مكافحة الفساد يجب أن توازي عملية مكافحة الإرهاب.

فبالرغم من أن دولتهم تواجه تحديات أمنية وإنسانية ملحة وخطيرة، إلا أن العراقيين لا يزالون منخرطين بنشاط بالعمل السياسي. فناشطو المجتمع المدني يحاولون رسم صورة لحكومة عراقية جديدة مبنية على أسس المواطنة وحقوق الإنسان وقادرة على تقديم خدمات حكومية جيدة من خلال حكومة كفاءات (تكنوقراط).

اعتداء الكرادة

في تموز 2016، وحينما كان تقرير تشيلكوت حول دور بريطانيا في غزو العراق عام 2003 يأخذ انتباهاً دولياً، قام تنظيم “الدولة الإسلامية” بتفجير شاحنة مفخخة في منطقة الكرادة في بغداد في إحدى ليالي رمضان والناس في الأسواق. كان التفجير مدمراً ودموياً وأودى بحياة  أكثر من 340 شخصاً.

وفي الأيام والأسابيع التالية للتفجير، تحولت المنطقة إلى مكان مقدس يؤمه سكان بغداد لتقديم العزاء لضحايا التفجير وعائلاتهم، وشارك الناس في وقفات شموع تنديدية. وحينها، تمت المطالبة بمحاسبة الدولة وإقالة المسؤولين عن الملف الأمني في بغداد، كما تعرض المسؤولون الزائرون للمنطقة لغضب الجموع العارمة.

فقد خلّفت تفجيرات الكرادة ندباً عميقاً ومؤلماً في وجه مدينة بغداد المدماة أصلاً، وذكّرت العالم بأن العراقيين لا يزالون يعيشون تحت وطأة الإرهاب بشكل يومي، حيث من الصعب أن يمر يوم واحد دون حدوث اعتداء إرهابي يستهدف حاجزاً عسكرياً أو مكان عبادة أو سوقاً تجارياً.

المسير إلى كربلاء

يعتبر الحج السنوي إلى مدينة كربلاء، جنوب العراق، لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين، من أكبر التجمعات السلمية في العالم، حيث استقطب في الماضي جموعاً زاد تعدادها على 20 مليون شخص. والأربعين هي ذكرى وفاة الإمام الحسين، حفيد الرسول محمد، والذي كان مقتله في معركة كربلاء رمزاً للتضحية الشخصية في مكافحة الظلم. وجاءت ذكرى الأربعين هذه السنة في شهر تشرين الثاني، حيث كان من المتوقع مشاركة حوالى 22 مليون شخص، بمن فيهم زوار إيرانيون.

وتحمل الأربعين معانٍ دينية وسياسية، فالعديد من العراقيين يعتبرون المشي إلى كربلاء رمزاً للمقاومة السلمية وتحد للظلم الكبير. وكان نظام البعث قد منع ذلك، إلا أن البعض تحدوا القرار حينها وقاموا بالزيارة كتعبير عن مقاومتهم السلمية للنظام.

وفي السنوات الأولى من الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة ومن التمرد المسلح، بدأ العراقيون المسير بأعداد أكبر إلى كربلاء في تعبير عن فخرهم الوطني ورغبتهم في متابعة العيش على طريقتهم الخاصة على الرغم من الفوضى والعنف السائدين. واليوم، يعتبر المسير تحدياً رمزياً في وجه الإرهاب، ويراه بعض الناشطون استمراراً لحملة الإصلاح التي يرونها متابعة لسعي الإمام الحسين نحو تحقيق العدالة.

وكما فعل على مدى السنوات السبعة الماضية، قام تنظيم “الدولة الإسلامية” باستهداف حجاج الأربعين بتفجيرات إرهابية ذهب ضحيتها العشرات من الحجاج، العديد منهم إيرانيون. ولحسن الحظ، استطاع الملايين من الحجاج متابعة مسيرهم في أمن وسلام. وعجت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي في العراق برسائل الامتنان لقوات الأمن العراقية والتي تضمنت في معظمها صوراً مع الجنود المتواجدين لحماية حجاج كربلاء.

المسيرة طويلة

بعيداً عن مشاهد معركة الموصل على شاشات التلفاز، يعمل الكثيرون من العراقيين المتحفزين سياسياً على تنظيم أنفسهم والمشاركة دون كلل في احتجاجات سلمية تدعو إلى نقد دقيق للنظام السياسي في العراق ووضع تصور للمستقبل.

فعلى الرغم من استمرار الإرهاب كجزء من الحياة اليومية – والذي وقعه سيسهام في صياغة رؤية عالمية حول جيل عراقي قد تسوء أوضاعه أكثر مع فقدان تنظيم “الدولة الإسلامية” حلمه في التوسع ما قد يحولهم إلى التمرد المسلح والمزيد من الإرهاب، إلا أن أحداثاً مثل زيارة الأربعين تشكل فرصة للعراقيين للتعبير بشكل رمزي عن مقاومة سلمية للظلم وتسمح للعالم الخارجي، إن كان يحسن الإصغاء، لسماع صوتهم.

تحديات العراق كبيرة وستستغرق سنوات عديدة لحلها. ولكن بالنظر بعيداً عن تقارير الإعلام حول الإرهاب والحرب، يبدو واضحاً أن شعب العراق يُعِدّ تصوراً ويحضر لمستقبل عنوانه الحكم الرشيد والأمن. قد يكون هذا المستقبل بعيداً، إلا أن ملامحه تتضح بشكل بطيء من خلال أناس صامدين لا يزالون يظهرون التحدي في وجه الظلم.

ديميان دويل، باحث دكتوراة في مركز الدراسات العربية والإسلامية في جامعة أستراليا الوطنية. يركز بحثه على الحركات الاجتماعية والسياسات المثيرة للجدل في العراق. يمكنكم متابعته على تويتر: @toaf

تم نشر هذه المقالة تحت رخصة المشاع الإبداعي، ويمكن إعادة نشرها مع الإسناد.

تم نشرها في 20 كانون الأول 2016.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s